أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني

208

العمدة في صناعة الشعر ونقده

باب في المطبوع والمصنوع - ومن الشعر مطبوع ومصنوع ، فالمطبوع : هو الأصل الذي وضع أولا ، وعليه المدار ، والمصنوع وإن وقع عليه هذا الاسم فليس متكلّفا تكلّف أشعار المولّدين ، لكن وقع فيه هذا النوع الذي سمّوه « صنعة » ، من غير قصد ، ولا تعمّل ، لكن بطباع القوم عفوا ، فاستحسنوه ، ومالوا إليه بعض الميل ، بعد أن عرفوا وجه اختياره على غيره ، حتى صنع « زهير » الحوليات على وجه التنقيح والتثقيف ، يصنع القصيدة ، ثم يكرر نظره فيها ، خوفا من التّعقّب ، بعد أن يكون قد فرغ من عملها في ساعة أو ليلة ، وربما رصد أوقات نشاطه فتباطأ عمله لذلك . - والعرب لا تنظر / في أعطاف شعرها بأن تجنّس ، أو تطابق ، أو تقابل ، فتترك لفظة للفظة ، أو معنى لمعنى ، كما يفعل المحدثون ، ولكن نظرها في فصاحة الكلام وجزالته ، وبسط المعنى وإبرازه ، وإتقان بنية الشعر ، وإحكام عقد القافية « 1 » ، وتلاحم الكلام بعضه ببعض ، حتى عدّوا من فضل صنعة الحطيئة حسن نسقه الكلام بعضه على بعض في قوله : « 2 » : [ الوافر ] فلا وأبيك ما ظلمت قريع * بأن يبنوا المكارم حيث شاءوا ولا وأبيك ما ظلمت قريع * ولا عنفوا بذاك ولا أساءوا « 3 » بعثرة جارهم أن ينعشوها * فيغبر بعدها نعم وشاء « 4 » فيبنى مجدها ويقيم فيها * ويمشى إن أريد به المشاء « 5 » / فإنّ الجار مثل الضّيف يغدو * لوجهته وإن طال الثّواء « 6 »

--> ( 1 ) في المطبوعتين والمغربيتين : « . . . عقد القوافي » . ( 2 ) ديوان الحطيئة 85 ، وما بعدها . ( 3 ) في م : « ولا برموا بذاك » ، وهي توافق الديوان ويبدو لي أن هذا من عمل المحقق ، دون الرجوع إلى شيء ، وأشار المحقق في الهامش إلى أن رواية ابن الشجري « ولا عنفوا . . . » . ( 4 ) في ف وخ : « فيعثر » ، وفي ف : « بعشرة جارهم » ، وفي الديوان : « فيغبر حوله . . . » . ( 5 ) سقط هذا البيت من ف ، وفي م والديوان : « فيبنى مجدهم » ، وأشير في الهامش إلى أن رواية السكرى « مجدها » . ( 6 ) في المطبوعتين والمغربيتين : « وإن الجار » ، وهي توافق الديوان .